الجيش الإسرائيلي يستهدف الإعلام لإخفاء جرائمه في غزة

المؤلف: د. عمار علي حسن08.20.2025
الجيش الإسرائيلي يستهدف الإعلام لإخفاء جرائمه في غزة

يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب فظائعه الممنهجة بحق الإعلام، حيث أقدم على قتل مراسلي قناة الجزيرة، أنس الشريف ومحمد قريقع، بشكل متعمد ووحشي. وقد اعترف الجيش الإسرائيلي نفسه بهذه الجريمة الشنيعة في بيان رسمي، وكأنه لم يعد يكترث للحفاظ على تلك الصورة الزائفة التي طالما رسمها لنفسه على مدار سنوات طويلة، والتي روج لها في أرجاء العالم مدعيا أنه الجيش الأكثر أخلاقية، على الرغم من أنه لم يتوقف يوما عن ممارسة ما يسمى بـ "سلاح الاغتيالات" ضد السياسيين والإعلاميين، بل وقتل المدنيين العزل حتى في غير أيام الحروب.

لم يكن استهداف الصحفيين الشريف وقريقع أمرا مستبعدا بتاتاً، وذلك لأنهما كانا يمثلان، في الأشهر الأخيرة، أكثر من مجرد عين وأذن للعالم أجمع، حيث نقلا بشجاعة متناهية معاناة أهل غزة من المجاعة، والفظائع المروعة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي. لقد مارسا دورهما الإعلامي بجرأة نادرة، دون أن يكترثا بشيء سوى فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي، وإيصال صوت أهل غزة المحاصرين والمكلومين إلى العالم أجمع.

ولعل الرسالة التي تركها الشهيد أنس الشريف، والتي حملت وصيته الأخيرة، تُظهر بوضوح أنه كان يتوقع استشهاده وينتظره، كما تبين مدى إدراكه وزميله، محمد قريقع، بأنهما يشكلان قلقا بالغا للحكومة الإسرائيلية وجيشها، وذلك بسبب مهنيتهما العالية ومخاطرتهما الجسيمة في سبيل نقل الصورة الحقيقية للأحداث، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تبذل قصارى جهدها من أجل التعتيم الكامل على ما يجري على أرض الواقع.

والدليل القاطع على ذلك هو أن الصحفيين الشهيدين كانا يتلقيان تهديدات مستمرة من قبل الجيش الإسرائيلي، وكثيرا ما ذكرتهما وسائل الإعلام في تل أبيب على أنهما يمثلان منبرا حيا ونشطا ومؤثرا للغاية، لفضح الممارسات الوحشية التي يرتكبها هذا الجيش.

بصورة عامة، ومنذ انطلاق عملية "طوفان الأقصى"، وإسرائيل تحرص بشدة على إسكات أي صوت يفضح حقيقة "الإبادة الجماعية" التي ترتكبها في غزة. ولتحقيق هذا الهدف، قتلت ما يقارب المائتي صحفي فلسطيني حتى الآن، واعتقلت عددا آخر منهم، وأغلقت مكاتب العديد من وسائل الإعلام العربية والدولية، ومنعت طواقمها من العمل في قطاع غزة، ومن بينها قناة "الميادين" اللبنانية وقناة "الجزيرة" القطرية. كما قامت بإغلاق مكتب قناة الجزيرة في مدينة رام الله، ومارست أشد أنواع التضييق والقمع على المراسلين الحربيين الميدانيين الذين تركتهم يعملون، وفعلت الأمر ذاته حتى مع الصحفيين الإسرائيليين المحليين أنفسهم، سواء الذين يظهرون على قنواتها الفضائية، أو الذين يكتبون مقالات وأعمدة وتقارير وتحليلات في الصحف، ما داموا يبثون أو ينشرون ما لا يرضي الحكومة الإسرائيلية المتطرفة.

لم يقتصر الأمر على ذلك الحد، بل امتدت يد الرقابة العسكرية الإسرائيلية لتشمل الإسرائيليين أنفسهم، ممن كانوا يقومون برفع مقاطع فيديو على شبكة الإنترنت باستخدام هواتفهم الذكية، يصحبها أحيانا تعليق أو تعبير صوتي عن أي خسائر تقع داخل إسرائيل خلال الشهور الأولى من الحرب، وأثناء قصف إيران لبعض المدن الإسرائيلية. واليوم، ينتقد البعض منهم تضحية نتنياهو بالأسرى الإسرائيليين، أو إصراره الدائم على العودة إلى اجتياح قطاع غزة.

يقود التحليل الأولي لحادث استشهاد الصحفيين أنس الشريف ومحمد قريقع، إلى أنه مؤشر واضح على أن الجيش الإسرائيلي يعتزم اجتياح قطاع غزة واحتلاله مرة أخرى، كما قررت حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة قبل أيام قليلة، وأنه هذه المرة سيضرب المدنيين بكل قسوة ووحشية، وسيرتكب جرائم إبادة جماعية أكثر فظاعة من السابق، في وقت تعالت فيه الأصوات داخل تل أبيب تتحدث عن أن الجيش الإسرائيلي يعيش حالة من "الفشل الذريع" في غزة، وهناك من يصف ما جرى بالهزيمة النكراء، بينما يصر متطرفون داخل الحكومة الإسرائيلية على تهجير قسري لأهل غزة.

بالإضافة إلى ذلك، وبشكل عام، مارست إسرائيل طوال الحرب الحالية تعتيما إعلاميا شاملا وأكثر حدة مما فعلت في حروبها السابقة، وذلك للأسباب التالية:

  1. إخفاء الخسائر العسكرية الفادحة التي يتكبدها الجيش الإسرائيلي، وذلك بهدف خفض مستوى الانتقادات الداخلية المتزايدة الموجهة له، وكذلك للحكومة التي تدير هذه الحرب العبثية.
  2. الاستمرار في ممارسة الدعاية الكاذبة والمضللة عن "الجيش الأخلاقي"، وهي مسألة استفادت منها إسرائيل بشكل كبير على مدار العقود الفائتة، ووظفتها في التغطية والتعمية على الجرائم البشعة التي ارتكبتها ضد المدنيين الأبرياء، سواء خلال الحروب أو في غير أوقاتها.

واليوم، يسعى الجيش الإسرائيلي جاهدا، وهو على أعتاب اجتياح بري لمدينة غزة، إلى إخفاء الجرائم المروعة التي سيرتكبها بحق البشر، وتدمير الحجر، وذلك لكي يخفض من حدة الانتقادات الحادة الموجهة لقادته وجنوده والحكومة التي تقف خلفه، في العالم بأسره، حتى من قبل المؤيدين التقليديين لإسرائيل.

3. إنقاذ ما تبقى من صورة الجيش الإسرائيلي المهتزة على أنه "الجيش الذي لا يقهر"، وذلك في أعين الذين استثمروا فيه، ويعلقون عليه آمالا كبيرة في الإدارات الغربية، لا سيما لدى أولئك الذين يدركون أن هذا الجيش يمثل نقطة الارتكاز الأساسية لـ "دولة وظيفية"، تُعد رأس حربة عسكرية وأمنية للمشروع الغربي في منطقة الشرق الأوسط، والذي يحاول جاهدا أن يقنع بعض دول المنطقة بأن إسرائيل يمكن أن تكون مصدرا للحماية والأمان لها، وأنه ليس أمامها سوى الرضوخ أو التوافق والتعاون معها.

4. حرمان المقاومة الفلسطينية الباسلة من إيصال صوتها وفعلها المقاوم للعالم، مع توقع دخولها في حرب عصابات شرسة وضروس ضد الجيش الغازي، وذلك بهدف تصوير الأمور للرأي العام الإسرائيلي على أن جيشهم يواصل تخبطه وتوعكه أو نزيفه المستمر.

وعلى النقيض تماماً، فإن هذا الإجراء يرفع من الروح المعنوية العالية للمقاومين الفلسطينيين، ويزيد من ثقة الحاضنة الشعبية بهم، لاسيما بعد أن ثبت لأهل غزة بالدليل القاطع أن إسرائيل لا تريد سوى اقتلاعهم من أرضهم وتشريدهم وتهجيرهم قسراً.

إن إسرائيل لم تمارس استهدافا للإعلام بهذا الشكل الفظيع في حروبها السابقة، وذلك لأنها هذه المرة تريد التغطية على عجزها الفاضح وجرائمها البشعة الآن، عجزها في ميدان القتال وتوحشها في مواجهة المدنيين العزل، بالقتل والتجويع والتدمير الشامل.

كانت إسرائيل في السابق تفتح هامشا ضئيلا للتعبير لتحقيق بعض الأهداف المحددة، منها: فرض معادلة الردع على الخصوم، وممارسة الحرب النفسية عليهم، وإشراك الداخل الإسرائيلي في الانشغال بالمعركة، لاسيما أن الجيش الإسرائيلي يعتمد بشكل كبير على قوة الاحتياط، ويعبئ موارد الدولة كاملة حول العسكريين في الحروب، لكنها اليوم لم تعد معنية بأي شيء سوى بإسدال ستائر كثيفة من الظلام والتعتيم على جرائمها النكراء.

ومن المؤكد أن طول أمد الحرب قد ساهم بشكل كبير في استهداف إسرائيل للإعلام بهذا الشكل الوحشي في الحرب الراهنة، وهو ما لم تعتده إسرائيل التي كانت تميل دائما إلى شن حروب خاطفة وسريعة.

فقد أدى هذا الأمر إلى وقوع جيشها في "حرب استنزاف" حقيقية في قطاع غزة. وفي مثل هذه الحالة تتوالى الخسائر الفادحة، تعلو وتهبط ثم تصعد من جديد، ما يجعل الحقيقة ضاغطة أكثر على أعصاب الجيش والمجتمع الإسرائيلي معا، وقبلهما حكومة نتنياهو المتطرفة. وكلما تكبد الجيش الإسرائيلي خسائر عسكرية فادحة، انتقم بوحشية وهمجية من المدنيين العزل، ويريد أن يفعل هذا بعيدا عن أعين الإعلام ووسائل الإعلام المختلفة.

إن اغتيال إسرائيل للصحفيين أنس الشريف ومحمد قريقع، بقدر ما يبين أن إسرائيل تريد أن تزيد من وتيرة الإبادة الجماعية خلال الاجتياح الوشيك لغزة، فإنه، وعلى الوجه المقابل، يُظهر مدى صعوبة وتعقيد الحرب التي تخوضها إسرائيل حاليا.

وهي مسألة ليست خافية على المقاومة الفلسطينية الباسلة، ولا على المحللين العسكريين والسياسيين الأذكياء، وربما يُزاح الستار يوما ما عما تم إخفاؤه من حقائق، حين تضع الحرب أوزارها الثقيلة، ويبدأ حساب نتنياهو ومن معه من مجرمي الحرب، بل وحساب المشروع الإسرائيلي برمته، الذي فقد الكثير من أنصاره ومؤيديه في مختلف أنحاء العالم.

لقد التحق الصحفيان أنس الشريف ومحمد قريقع برفاقهما الأبطال من شهداء الصحافة والإعلام، ولكن هناك بين صفوف الشعب الفلسطيني الصامد في قطاع غزة الآن من سيحمل راية الحقيقة من جديد، ويفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي الغاشم.

سياسة الخصوصية

© 2025 جميع الحقوق محفوظة