غزة- اختبار تاريخي يكشف هشاشة النظام الغربي وتصدع قيمه.

المؤلف: فريد أبو ضهير08.21.2025
غزة- اختبار تاريخي يكشف هشاشة النظام الغربي وتصدع قيمه.

لم تكن الحرب الشرسة على غزة مجرد معركة عسكرية عابرة أو جولة اعتيادية ضمن سلسلة الصراعات العربية الإسرائيلية، بل تجسدت في صورة اختبار تاريخي بالغ الأهمية، كشف بما لا يدع مجالاً للشك عن مدى الهشاشة المتأصلة في البنية القيمية والسياسية للنظام الغربي المهيمن.

ومن قلب هذه الحرب الضروس، بزغت علامات واضحة تنذر بتصدع منظومة راسخة، لطالما هيمنت على مقاليد العالم لعقود مديدة، وفرضت رؤيتها الأحادية باعتبارها النموذج الأمثل للحضارة والحرية وحقوق الإنسان.

اليوم، يقف العالم بأسره على مشارف حقبة مفصلية قد تعيد رسم ملامح التاريخ المعاصر. صحيح أن التحولات الكبرى تحتاج إلى فترة زمنية لا يستهان بها حتى تتبلور وتتجسد على أرض الواقع، إلا أن التلاحق المتسارع للأحداث وتدحرجها بهذه الوتيرة المحمومة يجعلان المشهد العالمي أكثر تأزماً وهشاشة، ويزيدان من وطأة القلق الذي يساور النظام الغربي بشأن مستقبله ومصيره.

إن الصراع الدائر بين الإسلام والغرب ليس مجرد خلاف عابر أو نزاع مؤقت، بل هو بالأحرى مواجهة حتمية بين منظومتين قيميتين متناقضتين بشكل جوهري. فالإسلام، بمنهجه الروحي والسياسي المتكامل، يضع العدالة في صميم رؤيته ومبادئه، ويمنح الحقوق لجميع الناس دون تمييز أو تفضيل، ويؤسس نظاماً متكاملاً يقوم على الرضا المتبادل والإيثار والتضحية من أجل الآخرين، ويغرس الطمأنينة والسلام في النفوس عبر قيم إيمانية راسخة الجذور.

في المقابل، ينظر الغرب إلى هذه القيم النبيلة بوصفها تهديداً ضمنياً لمصالح النخب المتنفذة والمسيطرة فيه. ومن ثم، يرفع الغرب شعارات براقة مثل الليبرالية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كقناع زائف يخفي تحته نزعة مادية وأنانية متأصلة تخدم مصالح قلة نافذة على حساب الأغلبية الساحقة من الناس.

لقد كشفت الحرب المأساوية على غزة عن زيف هذه الشعارات الديماغوجية، وأحدثت شرخين عميقين في جدار النظام الغربي:

  • الشرخ الأول يكمن في التناقض الصارخ بين المبادئ والقيم التي يتشدق بها الغرب، وممارساته الفعلية المتمثلة في الدعم اللامحدود والمساندة المطلقة للاحتلال الإسرائيلي البغيض، بل والمشاركة الفعالة في جرائمه الوحشية.
  • أما الشرخ الثاني فيتمثل في الهوة الواسعة بين الشعوب الغربية التي هبت لنجدة غزة والتعبير عن تضامنها معها، وحكوماتها التي تواطأت مع الاحتلال أو اكتفت بإصدار بيانات باهتة وتهديدات جوفاء، في محاولة يائسة للتغطية على عجزها السياسي والأخلاقي الفاضح.

لكن ورقة التوت سقطت، وانكشفت التناقضات على حقيقتها المرة، مما فتح الباب على مصراعيه أمام مراجعات فكرية وأيديولوجية عميقة داخل المجتمع الغربي.

اليوم، يجد الغرب نفسه عالقاً في مأزق إستراتيجي غير مسبوق في تاريخه. فقد تآكلت صورته التي طالما روج لها باعتباره حامياً للقيم الإنسانية النبيلة، وانكشف عجزه الكامل عن تطبيق مبادئه وقيمه المعلنة حين يتعلق الأمر بإسرائيل وسياساتها العدوانية.

والأدهى من ذلك، أن السياسات الحمقاء التي تنتهجها حكومة نتنياهو المتعنتة، بإصرارها المستميت على الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج، تدفع الغرب إلى مزيد من الانغماس في هذا المستنقع الآسن، وتعمق الشرخ المتزايد في أسس منظومته الفكرية.

إن الهواجس الحقيقية التي تؤرق الغرب لا تتعلق بانتصار غزة عسكرياً، بل بما يمثله الإسلام كبديل حضاري شامل وقادر على ملء أي فراغ قد ينجم عن انهيار النظام الغربي المتهالك. فعلى الرغم من ضعف البنية السياسية للعالم الإسلامي في الوقت الراهن، تظل القوة الكامنة في روحه الإيمانية قادرة على إحياء أمة بأكملها وإعادة بعثها من جديد.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد حدث عابر أو تطوراً طارئاً، بل هو بداية تحول تاريخي عميق قد يعيد تشكيل الخريطة السياسية وموازين القوى العالمية برمتها. وإذا ما سقط النظام الغربي أو تصدع بشكل أكبر، فإن تداعيات ذلك ستطال أنظمة سياسية عديدة مرتبطة به بشكل وثيق، مما قد يسرع من وتيرة الانهيارات المتتالية في بنية النظام العالمي القائم.

غزة لم تعد مجرد بقعة جغرافية محاصرة ومنكوبة، بل تحولت إلى بوصلة دقيقة تكشف الاتجاه الحقيقي للصراع الحضاري المحتدم. لقد هزت الحرب الضروس أسس النظام الغربي المتين، وأجبرت شعوبه وحكوماته على مواجهة تناقضاتهم الداخلية المتراكمة.

وهكذا، ما بين التصدع القيمي المتزايد والارتباك السياسي المتفاقم، يقف الغرب على مفترق طرق تاريخي حاسم: إما أن يتحلى بالشجاعة الكافية لمواجهة الحقائق المرة وإعادة صياغة منظومته القيمية والفكرية بشكل جذري، أو أن يستعد لمرحلة أفول وشيكة قد تعيد رسم ملامح العالم بأسره من جديد.

سياسة الخصوصية

© 2025 جميع الحقوق محفوظة